١١ دقيقة...


مَنْ كان يصدّق أن إحدى عشرة دقيقة فقط ستقلب ميزان حياته كلّه.. وللأبد!


كان يوماً عادياً جدّاً!

بدأ صباحه متأخراً كعادته في يوم الجمعة، يوم عطلته الوحيد، فهو يقضيه جُلّه نائماً، وكأنه يأخذ بثأرِه من النوم، النوم الذي سَيُفارق مقلتيه بلا أملٍ في عودةٍ بعد اليوم!

التقط أنفه رائحةَ شيءٍ يُخبز في الفرن، هبَّ من السرير، كفأرٍ متحفّز لأي قطعة بسكويت تسقط من أعلى، نزل السلالم مندفعاً نحو المطبخ!

وجد زوجته (هند) معفّرةً بالدقيق، تربط شعرها عالياً كي لا يتسخ، في مشهدٍ بانورامي، يذّكره -وهو لا يجرؤ على النسيان- بحبه الشديد لتلك الفاتنة السمراء القصيرة!


وقف عند باب المطبخ يتأملها، لم تنتبه هي لوجوده، وليس لأنها ترتدي سماعة أذنيها بينما هي تعجن، بل لأنها كانت تدندن بصوت عالٍ جدّاً مع ألحان ما تسمعه.

"بَختي بَختي، أنتِ بتّي، أمي، أختي.." 

غمرها من الخلف بحُضنٍ مُباغت، وقبل أن تلتفت في محاولةٍ بائسة للفكاك منه؛ طَبَع على عنقها قبُلةً وأطلقها قائلاً: "بَختي فعلاً!"


إحدى عشرة دقيقةً فقط كانت تحول بينه وبينها.

ليته أجاب على هاتفه حينها!


عاد الفأر لجُحره بعد أن حظي بقطعة بسكويتته، وبعض القُبلات والمشاكسات الصباحية، ليغُطَّ في سباتٍ عميق. ليستيقظ على صوت هاتفه يرن، تُظهر شاشته اسم صديقه (عُمر)، طالع أعلى شاشته ليجد أن الساعة تجاوزت الخامسة عصراً، وموعده مع (عُمر) في الرابعة.

أجاب على الإتصال، وقبل أن يتمكن من ينبس بكلمة، هاجمه سيلٌ منهمر من السِّباب، لم يتوقف إلّا بعد أن أكّد لـ(عُمر) أنها "مسافة السكة بس"!


يتمنى لو أن بين (هند) "مسافة سكة" أيضاً!


عندما همّ بالخروج وقفت أمام الباب متبرمةً، من أنه وحتى في يومه عطلته الوحيد في الأسبوع يُسرق منها!

حاول الاعتذار دون جدوى، فما كانت تسمعه، معروفٌ عنها أن "هند والعِند توأمان مختلفان متشابهان"، وهو لا يعرف كمعرفة البشر العادية، فهو قد عاشر العِند أكثر من هند!

أصرّت على بقاءه، إلّا أنه نجح في الهرب، بعد أن وعدها بأنّه سيعود عند الثامنة، و بأنّه سيكون لها لما تبقى من الأُمسية!


ليتها عاندته أكثر ولم تتركه يخرج!

 

جاءه اتصالٌ في السابعة والنصف من (هند)، ابتسم، كان يعلم أنها تذكّره بوعده!

لم يتوقف رنين الهاتف حتى بعد أن ارسل لها رسالةً يخبرها فيها بأنه على وعده!

استمر رنين الهاتف في أكثر من عشرين محاولة اتصال، علِمَ ذلك بعد أن اعاد هاتفه من الوضع الصامت!


استغرب إلحاحها فهو ليس من شيمها، خاصةً عندما يكون خارج المنزل!

عاود الاتصال بها، ليصلهُ صوتٌ غير صوت (هِنده)!

بَتَرَ صوت السيدة أفكاره التي بدأت تتكاثر كصغار الأرانب!

اعتذرت السيدة على الطرف الآخر  مِن الحاحها بالاتصال، مُعلّلة أنها وجدت رقمه على قائمة الطواريء في هاتف شابة في منتصف العشرينات! وأنها ظنته زوجها نظراً لاسمه المكتوب على الرقم!


قائمة الطواريء! وكأن هذه الكلمة أعادته للوعي، ليسأل السيدة عن مكانها!

وصفت له مكان المستشفى. وصل، ليجد (حسن)، (سعد)، (رامي) أشقائها يقفون عند باب الغرفة في حالة ذهولٍ وصمتٍ عظيمة، علِم من وجوههم أنه تأخر!

أمسك بـ(حسن) شقيقها الأكبر يسأله عن زوجته، أين هي وما حلّ بها.. دقيقةٌ حكى فيها (حسن) كل القصة وهو يسمعه بعدم فهم!

دقيقة صمتٍ، ملأ بعدها صوت صراخه أروقة المستشفى!


لَمَح قبل ترجلّه من السيارة، أن الساعة تُشير إلى الثامنة وإحدى عشرة دقيقة!

لو أنها انتظرت قليلاً، ولو أنه وصل مبكرّاً.

فقط بإحدى عشرة دقيقة!


-آمِنة.

تعليقات

المشاركات الشائعة من هذه المدونة

آخر عيد ميلاد على الأرض

مخزن بارود، و شُعلة..

قُبلة متجمّدة..