قُبلة متجمّدة..

 

(فاطمة) جرّاحة عِظام مِن الطراز الرفيع، متوسطة الطول، يُشبّهها الكثيرون بالقمر لإستدارة وجهها وحُسنه، ورُبما لذات السبب فهي قمحيةُ اللون لأن الشمس كما يبدو استحت أن تطبع على وجهها سماراً تاماً؛ فاكتفت بأن تلثمها مِن طرفٍ خفي!

تتمتّع بقوامٍ أنثوي فريد لا تخطئه عين، عندما تلمحها بين أروقة المستشفيات البيضاء متوشّحةً باللون الأزرق تكاد تقسم بأنك تسمع أهازيج الفرح الصادرة عن ثيابها، وتقسم بأن الله لم يخلق اللون الأزرق إلّا لترتديه لتتزيّن به (فاطمة).


بعد انتهاءها من دراسة الطب في بلدها الأُم، قررت أن تغادره سعيّاً لأكبر عددٍ ممكن من ساعات الممارسة والتدريب، والتفاعل مع العِظام!

كانت خُطة دراستها للعِظام واضحة منذ اليوم الأول لها في الكلية، كانت صامدةً على تخصصها رغم معارضة جميع أهلها لدراستها العِظام، متحججين بأنه تخصص قاسٍ جدّاً، وبأن فتاة برِقّة (فاطمة) لا يجب أن تتعامل مع العظام! إلّا أنها لم تتزعزع عن تخصصها.


كانت خطة (فاطمة) للتخصص واضحة الرؤيا، كانت تريد التخصص في بلدٍ اسكندنافي، إلّا أن الوجهة بالتحديد لم تكن واضحة، إلى أن وقع الاختيار بعد تمحيص على "فنلندا"، بلدٌ صغير، هاديء، يتمتع بكل شيء تحتاجه (فاطمة) بما في ذلك كثرة حوادث الطرق التي تنتهي غالبها في قسم جراحة العِظام!

وهكذا انتهى بها الأمر في "فنلندا"، بين أروقة المستشفيات البيضاء ترتدي اللون الأزرق المخلوق خصيصاً لأجلها!


يوم لمحها (فِراس) في المستشفى، كان قد جاء يزور صديقه الأحمق (مايك) بعد أن هشّم الأخير سيارته وعظمة ساقه، لينتهي به الأمر في قسم العِظام مع (فاطمة).

لم تكن هي المسؤولة المُباشرة على حالة (مايك) في بداية الأمر، ولذلك دُهش (فِراس) عندما وجد فتاةً بوجهٍ كالقمر تُطّل عليهما هو و(مايك)، عرّفت (مايك) بنفسها وأنها أصبحت منذ اليوم الطبيبة المُشرفة على حالته، وأنها ستمر عليه كل يومٍ صباحاً لتطمئن على حاله!

تسمّر (فِراس) عندما سمع اسمها، فملامحها بعيدةٌ تماماً عن العروبة، لها سمار المنطقة العربية نعم، ولكن لا ملامح!

وهكذا، صار (فِراس) يزور صديقه كل يومٍ قبل أن يحين دوره في جدول مرور (فاطمة). التي انتبهت لهذا الصديق، ولوهلة ظنتهما أخوين، رغم الاختلاف البعيد بينهما!

فبادرت بالسؤال، ليُعرّفها (فِراس) بنفسه، في ثقة وكأنه يشغل منصب رئيس الوزراء مَثلاً، ضحكت على ثقته، وكانت ضحكتها بداية الشرارة.


بعدها بدأ (فرِاس) يلاحقها، بدأ يراقب موعد حضورها للمستشفى وموعد انصرافها، بات يُتابع حركاتها داخل أروقةِ المستشفى.

في إحدى المرّات، وبينما هي تمرّ على آخر مريضٍ لها في القائمة، انتبهت لذلك الـ(فِراس) الواقف من بعيد، يتابعها بنظراته، تقدّمت تجاهه وعلى وجهها ابتسامة، سألته إن كان (مايك) يشكو مِن شيء، عاجلها بِلا، ولكنه يظن أن ذراعه قد كُسرت لأن اصطدم بالباب عند دخوله المستشفى صباح اليوم، فطلب منها استشارةً على عُجالة.

ابتسمت، مررت كفّها على كامل ذراعه بدايةً من الكتف وصولاً لأصابع اليدين، وقالت و الإبتسامة لم تغادر وجهها وبلغةٍ عربية: "لا يوجد كسرُ في يدك ولا خلع في كتفك"، فردّ عليها بالعربية وهو يبتسم : "أيُّ كسر أو خلعٍ سيبقى وقد لمسته يداك". احمّر وجهها، وهرولت ناحيةَ غرفة المريض الأخير، وفي منتصف الطريق استوعبت أنها كانت عنده منذ قليل، غيّرت اتجاه سيرها على عُجالة، وعندما التفت كان (فِراس) يُطالعها وقد اتسعت ابتسامته هذه المرة، وبانت نوائبه.


استجمع بعدها (فِراس) شجاعته، وبدأ يتكرر على مكتبها بعد انتهاء مرورها على المرضى. و(مايك) طيلة تلك الفترة يحصل على آخر الأحداث، نظراً لأن الجبيرة على ساقه تمنعه من متابعة الأحداث بنفسه.


سارت الأحداث سريعاً بعد ذلك، بدأت الكيمياء بينهما تتفاعل سريعاً جدّاً، استمر يتردد على المستشفى بعد أن أُزيلت جبيرة (مايك) وغادر المستشفى، وفي آخر مرة استجمع شجاعته، وعرض عليها أن ترافقه في يوم عطلتها لتناول العشاء، تحججت بالتعب، ولكنّه ألح قائلاً: "آمنت بأن الأزرق خُلق لكِ، ولكنّي لا أريد أن أكفر ببقية الألوان!" فرضخت له وهي تبتسم.


يومها وصل (فِراس) إلى المطعم قبل موعدهما بساعة، اختار طاولةً تُطلّ على النافذة، ليراقبها وهي قادمة!

جاءت من بعيد، ترتدي معطفاً بُنيّاً، تربط على عُنقها وِشاحاً يُدفىء عُنقها من برد "فنلندا" القارس، ودّ لو أنه هو مَن يقوم بذلك الدور عِوضاً عن ذلك الوشاح!

تضع على شفتيها أحمر شفاهٍ بلونِ الكرز الأحمر، دلفت المطعم، حيّت الرجل الواقف على الباب وعلى وجهها ابتسامة، اتسعّت عندما لمحت (فِراس) من بعيد، وقبل أن تتقدّم نحوه، خلعت معطفها عند الباب!

كانت ترتدي فُستاناً أحمراً، يرسم جسدها بشكلٍ جعل قلبه ينبض بسرعة، وكانت ترفع شعرها الأسود الذي أضفى لوجهها المستدير بريقاً فاتناً.!

تقدّمت نحوه، حيّته، همس لها بعد أن همّ يسحب لها الكرسي لتجلس: "كفرتُ بالأزرق، ليت كل الألوان أحمر!"

وكأن وجهها كان بداية استجابة دعائه، اصطبغ بالأحمر..خجلاً!


لم يُنزل عينيه من عليها، كان يسترق النظر إلى فمها الصغير بين الفينة والأخرى، لتعود عيناه للاستقرار في حقول البُن في عينيها!

بعد أن أمضيا أمسيةً رائعة، غادرا المطعم، كانت تُثلج في الخارج إلّا أنه اصرّ على أن يوصلها سيراً على الأقدام لمنزلها الذي يبعد شارعين عن المطعم.


وصلا إلى بيتها بعد أن أكملا حديثاً كان قد انقطع عند مغادرتهما للمطعم، شكرته على هذه الأمسية الرائعة، لم يسمع شيئاً مما قالته، كل ما كان يجول في باله هو أن  يلتهم ذلك الكرز الأحمر الماثل في شفتيها.


قطع حديثها فِعله، توقفت عن الحديث، هدأت كُل الأصوات، لم يسمعا سوى صوت قلبيهما وهما يخفقان بشدِّة!

مالت عليه قليلاً، حاوط خصرها بيده، وذابت قطع الجليد تحت أقدامهما.


-آمِنة..

تعليقات

المشاركات الشائعة من هذه المدونة

آخر عيد ميلاد على الأرض

مخزن بارود، و شُعلة..