عودة الروح..
شق الجلد عن الصدر، باعد بين أضلع الرجل الضيقة، وبيدٍ مرتعشة نَزَع قلبه... وسمع بعدها شهقة! شاحباً، مُزّرقاً، يقف (فاروق) في وسط غرفة التشريح حاملاً بين يديه قلباً نابضاً، قلباً لم يبدأ بالنبض إلا بعد أن بدأ تشريحه! (فاروق) مُشرّحٌ مخضرم في الأربعين من عمره، يعمل في مشرحة مستشفًى حكومية منذ أكثر من عشرين عاماً، دوامه يبدأ من الثامنة صباحاً وحتى الثامنة مساءً، إعتاد أن يُقاسمه الدوام (حسن) المُشرّح الأشهر والأقدم في المدينة، إلّا أنّ (حسناً) كان قد ناهز الثمانين وصار طريح الفراش، وهكذا أضحى دوام (فاروق) أكثر من المسموح به في قانون العمل، ولكنه لم يعترض؛ فليس له أي مكانٍ يغدو إليه بعد نهاية عمله، ولا أحد يشتكي من تأخره في العمل، خاصةً بعد طلاقه من (زينة) التي طالبته بالطلاق بعد عامهما الثالث بحُجّة انها لا تستطيع أن تأمن لرجلٍ يُقطّع أجساد الناس ويتقاضى على ذلك أجراً. وهو يقف شاحباً وكأنّ الروح تُسحب منه تذكّر (فاروق) أول يوم عمل رسمي له في هذه المشرحة، تذكّر (حسناً) الذي أخبره بأنّ للموتى حُرماتهم، وأخذ عنه عادة تغطية وجوه الموتى قبل أن يشرع في تقطيعهم. تمنى الآن وهو واقفٌ مسلوب الإرادة ...