الحب في زاتو مُبرر كافي..
(عبدالعزيز) شابٌ في الثلاثين مِن عمره، متوسط الطول، بلِون القمح والصحراء، عريضُ المنكبين، متمردٌ بطبعه، شخصيته قويةٌ، تماماً كبُنيته الجسدية، يُحسب له ألف حِسابٍ مِن الكبير قبل الصغير!
منذ نعومة أظافره، وهو يرفض جُلَّ -إن لم يكن كُلّ-الأوامر التي تُلقى عليه، رفض مرةً وهو في عمر الثامنة أن يأكل الطعام لمدة يومين، فقط لأن والدته أخبرته بأنه لن يخرج ليلعب مع (سمير) إن لم يتناول طعامه، دبَّ حينها نقاشٌ مُحتدم، كان مليئاً بكلماتٍ وجُمل كبيرة على طفل في الثامنة! رفض مبدأها، مُحاجِجاً إيّاها بأنها تمنعه من أقل حقوقه وأنّ حرمانه لحقوقه يجعلها في حُكم الظالم، وأنه سيخُبر الله بكل الحقوق التي هضمتها منه!
صُعقت من اللغة التي يُخاطبها بها! صححّت له بعض المفاهيم المغلوطة لديه عن الحقوق، و عاقبته بعدها بالمنع من الخروج ليلعب؛ حتى بعد إنهاء طعامه، صعد إلى غرفته وهو يتمتم بكلمات مكتومة يعبّر بها عن امتعاضه.
ابتسمت لأن ابنها يحذو حذو أبيه، وتوعدّت والده بمنعٍ مِن نوعٍ آخر، وهي الآن متأكدة بأنّ لابنها مستقبلٌ مُبهر تماماً كوالده!
فوالده مستشارٌ قانوني من الطراز الرفيع، كُفء، تشهدُ له محاكم البلاد بالشجاعة، الدِّقة في التعبير، الحِنكة في المرافعات، وبلغةٍ عربية برصانة (حسّان بن ثابت)!
في سن الثالثة والعشرين وبعد أن أنهى دراسة القانون، بدأ والدا (عبدالعزيز) يُفاتِحانه في الزواج، لكي تبدأ والدته في الاستعداد للطقوس المعتادة لزيارة (أم محمد الخطّابة)، في زمنٍ كان للخطّابات فيه زوّار أكثر من عيادات التجميل اليوم!
كان يرفض (عبدالعزيز) فكرة الزواج بهذه الطريقة جُملةً وتفصيلاً، يمقتُ أنّ مَن سيُشاركها حياته، تُربّي أبناءه، وتتقاسم معه الأفكار قبل المشاعر سيتحتّم عليه رؤيتها في صورة، لا تعكس من تلك التفاصيل التي يرجوها شيء!
مُجرد صورة! صورة من المفترض أن تخبره بعقلية أطفاله، وبنقاشاتهم معه!
نجاحُ قصة والديه الذَين اتبعا ذات الطريقة للزواج، لا تعني بالضرورة أنّ القصة ستَنجْح ولا حتى أنها ستُعاد.
يُدلِّل كلامه في كل مرة بقضايا الطلاق التي بدأت تزداد مؤخراً والتي كان شاهداً على مرافعاتها هو بنفسه في أروقة المحاكم.
إلّا أنّ رفضه للفكرة، وتمردّه على تقاليد المجتمع لم تجد أُذناً صاغية عند والدته!
كانت إيماناته عن الزواج مختلفة تماماً عن السائد حوله، يَعزي (عبدالعزيز) الأمر لكثرة ما طالع من روايات تحكي عن الحب، عن المشاعرالمُتكلّلة بالزواج في النهاية، عن الأبناء المولودين لآباء مُتحابين، وكيف أنهم يكبرون مغْمورين بالحُب الفيّاض، الدلال، وبالحنان.
إلّا أنّ والدته كانت تُكرر على مسامعه دائماً: "الحُب ما يوكّل عيش يا ولدي"، حاججها كعادته مُبرراً حُجّته هذه المرة بأنها هي ووالده يُحبّان بعضهما، ولولا الحُب لانتهى بهما الأمر في أروقة المحاكم، في قضيّةٍ يتداولها هو وأصدقاؤه. ولكن ذلك لم يحدث، إذاً فالحُب موجود،والمشاعر موجودة، رغم الطريقة البالية التي اتبعاها لزواجهما.
دافعت والدته عن نفسها وزوجها دفاعاً مستميتاً؛ فهي ومع أنها تعلم وتكرر بأنّ "الحب ما يأكل عيش يا ولدي"، إلّا أنها أيضاً تعلم يقيناً أنّ الذي بينها وبين والده أكبر من الحُب.. هي "العشرة"!
تضحك (سلمى) الآن على ذكرياته البعيدة تلك، وهي تُلاعب ابنهما البِكر (عُمر)، ضحكتها التي تجعل قلب (عبدالعزيز) يزدهر، يُشّع، ويمحو كلّ التعب والرَهَق بعد يومٍ طويل في ملفات القضايا وبين ممرات المحاكم!
(سلمى) في السادسة والعشرين من عمرها، قصيرة القامة، بلون زهور اللوز والياسمين، مُنمنمة القوام، حادة النظرات قويتها، نظراتها لاتشي بشيء سوى تمردٍ مكتوم، شخصيتها تفرض نفسها على المكان؛ حتى وهي صامتة، عيناها كانتا تتحدثان!
حين لمحها (عبدالعزيز) لأول مرة كانت عيناها تجوبان وجوه المارّة، تحاول أن تلتقط أي خيطٍ يقودها لأي قصة، لتشغل نفسها عن تفكيرٍ يبدوأنه أرهق عقلها ومنعها النوم، إذ أن الليلَ كان قد ترك بصمته تحت عينيها!
كان وقتها في مرحلة التدريب، يلاحق محامياً مرموقاً في المدينة، التحق بمكتبه لعلاقةٍ تربط المحامي بوالده!
وكانت القضية الموكلة إليه، قضية طلاق والدة (سلمى) مِن والدها.
كلّفَ المُحامي (عزيزاً) بالقضية، فهي كقضايا الطلاق الكثيرة التي يعمل عليها، لا تستحق وقته ومكانته!
وهكذا كانت قضية (سلمى) أُولى قضايا (عبدالعزيز)... وآخرها!
بدأت اللقاءات مع والدة (سلمى) و(سلمى) تكثر، تبيّن مِن خلالها أنّ السبب -وككل حالات الطلاق الواردة لمكتب المحامي- يتلخص في كلمتين "زواج صالونات".
استمرت اللقاءات لعدة أشهر، حيث وأنّه رغم وضوح الأسباب إلّا أنّ التأخير كان سببه ازدحام محكمة الأسرة!
وكان التأخير في صالح (عزيز) و(سلمى)، كانت والدتها في أغلب الأوقات صامتة، بينما هي التي تتحدث، كانت تتكلّم وكأنها ادخرت كل صوتها ومصطلحاتها لهذه اللحظة، لأجل أن تُدافع عن والدتها!
طلب منها في أحد الأيام أن تكتب له رقمها ليأخذ منها بعض التفاصيل لاحقاً دون الحاجة لقدومهما إلى المكتب، رمقته بنظرةٍ أخافته، إلّا أنه لم يتراجع عن طلبه، فدوّنت رقم والدتها، أعاد الهاتف وعلى وجهه إبتسامة ثقة قائلاً:"ليس رقم الوالدة، رقمكِ أنتِ"!
لم يكونا يعلمان أن تدوينها لرقمها على شاشة هاتفه، سيفُضي بهما إلى أمسياتٍ طويلة مليئة بالنقاشات الأدبية، الأخلاقية، المسائل الوجودية، نفورهما من الزواج على صورة آبائهم وأمهاتهم.
ولم يكونا يعلمان بأن تلك الأُمسيات كانت وقوداً يُغذي شرارة حبٍ بدأت بينهما دون وعي، وأفضت تلك الشرارة إلى نار حبٍ كنار المجوس لا تنطفئ، وشرارة أفضت لإبنيهما (عُمر) وشقيقته (لمى).
في آخر زيارةٍ لهما لمنزل والديه، وبينما كانت (سلمى) تلاعب الطفلين وتتحدث مع والد (عبدالعزيز)، همس (عزيز) في أذن والدته:" صدقتي أن الحُب يأكل عيش، وأن الحب في زاتو مُبرر كافي يا أمي!".
قالها وهرول وهو يضحك، بعد أن سمع (سلمى) تناديه ليفكّ شجاراً دار بين الولدين.
#آمنة.
تعليقات
إرسال تعليق