النهاية قبل البداية..
حاملاً مسدساً مكتوم الصوت، يقف بجانب رأس رجلٍ نائم مألوف الملامح، على طرف السرير زوجته التي تغطّ في نومٍ عميق تضع يدها على بطنها التي بدأت تتكوّر، كانا ينتظران طفلاً أخيراً بعد محاولاتٍ استمرت لأكثر مِن خمس سنوات، كانا قد علِما للتو أنه صبي، وقررا أنهما سيُسميانه (مؤنس).
(مؤنس) عالمٌ فيزيائي مغمور، دائماً ما كان يُوصف مِن قِبل أهله وزملائه بأنه مجنون، أفكاره مجنونة، وتمسّكه ببعض النظريات الغريبة كان دائماً مصدر ضحك واستهزاء الناس.
كان إيمان (مؤنس) بنظريات كنظرية السفر عبر الأزمان -مثلاً- أضحوكةً بين علماء الفيزياء في قسمه، رغم أنهم يؤمنون بالزمكان وفيزياء الكم،إلّا أنّ هذا لم يمنعهم من جعل (مؤنس) محور الأحاديث في القسم.
في آخر مرة طَرح فيها (مؤنس) موضوع السفر عبر الزمن كانت قبل سنة، في اجتماع القسم الشهري، الإجتماع الذي من المفترض أن تُناقش فيه أكثر البحوث شهرةً التي طُرحت في المجال، كما تُناقش الآراء المؤيدة لها والمُفنّدة على حدٍ سواء. طَرح (مؤنس) فكرة السفر عبرالزمن؛ مُستدّلاً كعادته بأب الفيزياء الأول (آينشتاين)، صمت الجميع لوهلة، ولأول مرة تُسمع فيه فرضيته كاملة، كان يرى -أثناء طرحه- رؤوساً تهتز تأييداً للفكرة، وأخرى تهتز يُمنةً ويُسرة في محاولةٍ لاستيعاب الكلام الذي يُقال!
وما أنْ انتهى (مؤنس) من سرده حتى بدأ الحضور يتساءلون عن صاحب هذه النظرية، وعنوان البحث، ومكان نشره. هُنا ملأ (مؤنس) رئتيه بالهواء ليُخبرهم ملء صوته؛ أنه هو صاحب هذه الفرضية وأنه على وشك اثباتها بالدليل والبرهان. دقيقةٌ من الزمن خيّم الصمت فيها، وفجأةً تعالت الضحكات كالعادة!
كان (مؤنس) قد بدأ ينجرف إلى حافة الجنون، كانت والدته تسأله إن كان يُواظب على أدوية السيطرة على نوبات الإكتئاب، وكان يُخبرها-كاذباً- بأنه يفعل، ما لم يكُنْ يعلمه حقاً أن إهماله لهذه الأدوية سيؤدي لاحقاً إلى اختفائه قبل أن يصير إلى ما صار عليه!
فبعد حادثة اجتماع القسم تلك اعتزل الناس، قدّم استقالته إلى رئيس القسم، الذي وقّعها بسرعة كما لو كان ينتظر هذه الإستقالة منذ الأزل، اعتكف في غرفته يعمل جاهداً على صُنع بوابةٍ للسفر عبر الزمن، ليُثبت لنفسه وللناس أنّ فرضيته حقيقية وقابلة للتنفيذ.
وهكذا بدأت تجارب الصنع والاختبار، بدأ في بناء الهيكل العام لجاهز السفر عبر الزمن، استغرقه الأمر أكثر من خمسة أشهر ليُكمل تصنيعه بشكل غير قابل للتحطّم بسهولة، ودخل بعد ذلك في مرحلة تصنيع البوابة، حاول أن يخلق ثُقباً أسود، أو هكذا كان يشرح لوالدته ليُبسِّط لها الفهم حين كانت تسأله قلقة عن ماهيّة ما يصنع.
كان يُجرّب في كل مرةٍ مادةً جديدة، بدايةً بالحديد، النحاس، الذهب، الفضة، وصولاً للرصاص والزئبق!
وبعد عشرات التجارب الفاشلة، وصل أخيراً لأفضل نتيجة خلال كل تلك السنة.
وحان الآن وقت التجربة!
إلّا أنه لم يجد أي فكرة عن ماذا سيُجرّب، وكيف سيُثبت للجميع أن فكرته ناجحة، لذا قرر أنه سُيسافر عبر الزمن ليذهب للمستقبل، ليرى أثر اكتشافه هذا على العالم!
وهكذا بالفعل ضغط على الزر، وبعد دقيقتين من الدوران والوميض بالألوان المختلفة، وجد نفسه يقف أمام لجنة تحقيق ليُبرر فِعلته وصنعه لهذه الآلة، صارت كل الأمور إلى الأسوأ، أصبحت كل الأوضاع مُرعبةً أكثر من كل المرات السابقة، وبالرغم من ان اختراعه منع مشاكل وجرائم عِدّة؛ إلّا أنّ هذه المنافع لم تشفع له مقارنة بالمساوىء.
وجد نفسه غارقاً في دموعه، فكيف لاختراعه العظيم أن يُدّمر البشرية لهذه الدرجة؟
عاد بعد تلك المشاهدات إلى وقته الحالي، دفن نفسه في غرفته شهرين كاملين، نبتت خلالهما لحيته بشكل مخيف، صار أشعث الشعر كثيفه، لا يعرف شيئاً سوى أنه لن يستطيع تدمير اختراعه فهو حلمه منذ البداية، ولن يستطيع أيضاً أن يتحمّل الندم والألم جرّاء انتشار اختراعه في أنحاء المعمورة!
كانت والدته تتردد دائماً على غرفته، تسأله أن يتناول معها هي ووالده الطعام، كان يرفض، فتُحضره إليه، كانت تخبره بأنّ عليه رؤية الشمس، الارتماء في أحضانها بحرارة، ولكنه كان يرفض، كانت تُحضر له أدوية الإكتئاب وتُصرّ على أن يتناولها أمامها، كان يفعل مُجبراً، ولكنّ اكتئابه كان أكبر مِن أن تُسكّنه حبة دواء!
فجأةً ساورته تلك الفكرة المجنونة، هرع إلى معمله، أزال الغطاء عن الآلة التي اخترعها، حمل مسدسه مكتوم الصوت، عزم أمره.. سيعود للماضي.!
ضغط على ما قبل تاريخ ميلاده بخمسة أشهر، وهكذا انطلق الوميض المُشّع، دقيقتان وكان يقف أمام منزلهم القديم قبل خمس وثلاثين سنة.
وقف يُطالع والديه عائدين من الزيارة الشهرية لطبيبة النساء والولادة التي تُتابع معها والدته، أخبرتها أن حملها "صبيّ"، وقتها بكى والده بكاءً حاراً، وابتهلت والدته لله شكراً، قررا أنهما سيُسميانه (مؤنس).
انتظر حتى حلّ الليل، وسكنت جميع الأصوات، انتظر حتى حانت الساعة العاشرة والنصف، يغطّ والداه في هذه الساعة بالتحديد منذ أكثرمن خمس وثلاثين سنة في نومٍ عميق.
قرر أنه سيقتلهما!
كانت الفكرة في البداية أن يقتل نفسه وهو صغير، ولكن لن تحتمل والدته وفاته وستصاب بذبحة قلبية، لذلك قرر أن يقتل والديه وهما فيأسعد أيام حياتهما.
وهكذا، دلف إلى المنزل، صعد الدرج المؤدي لغرفة والديه، فتح الباب، وقف أمامهما حاملاً مسدساً مكتوم الصوت، يقف بجانب رأس والدهالنائم، على طرف السرير والدته التي تغطّ في نومٍ عميق تضع يدها على بطنها التي بدأت تتكوّر.
ضغط على الزناد مصوِّباً فوهة مسدسه لجمجمة والده، أحسّ بأن جزءاً من تكوينه تلاشى، انتقل لوالدته، ضغط على الزناد، بدأت أطرافه في الإختفاء، أفرغ رصاصته الثالثة والأخيرة في بطن والدته!
حينها، وحينها فقط أحسّ (مؤنس) بالراحة، السلام، والهدوء، بعد أن تلاشى إلى العدم.
#آمِنة.
تعليقات
إرسال تعليق