مخزن بارود، و شُعلة..

يجلس مندهشاً واضعاً يديه على رأسه، فاغراً فاه للحد الذي تظن فيه 
أنه سينخلع من بقية عظام جمجمتهلم يتخيّل أن ينتهي به المطاف إلى هذا الاشتعال العظيم بهذا الهدوء!

بدأ كل شيء منذ مايو المنصرم، أربعة أشهرٍ مرّت منذ أول مرة ظهرت فيها شعلةٌ صغيرة في نهاية/بداية الطريق!
أربعةٌ أشهرٍ مرّت منذ لمحها بين أروقة الجامعة، ومنذ المرة الأولى شعر بأنها هي المنشودةلم يكن يؤمن بخُزعبلات الحُب من أول نظرة، كانت عقيدته الراسخة تنُص على أن "كُلّ شيءٍ يحتاج إلى وقت!" حتى الحُب في عقيدته يأتي نتاج استثمارٍ لموارد كثيرة ضمن إطار زمني محدد!
إلى أن لمحها في ذلك اليوم، كانت رؤيتها بمثابة تحطيمٍ لأصنامٍ كثيرة ظلّ يدور حولها لأمدٍ طويل!

بدأ في التقصّي عنها، أصبح يتردد على الكلية بكثرةٍ مفرطة أثارت فضول أصدقائه، فلم تكن تلك هي عادته، وهو الذي ما كان يأتي للكلية إلّا مُرغماً ومجروراً من أنفه، كانت تصغره بعامين دراسيين، وكان اسمها (نور)!
كانت عقيدته سابقاً-قبل اعتناقه للنورتمجّد الليل، الظلام، والسهر، كان يجد في الظلمةِ سلوى عظيمة ما كان يجدها في سواها، ولكن يبدو أن الـ(نوريجُبُّ ما قبله!

كانت لطيفة، خفيفة الروح، جميلة القسمات صغيرتُها، وكانت تملأ المكان الذي تخطو إليه بالنوركانت حقّاً اسماً على مُسمى
ولكنه ما كان يعلم أن منبع النور سيكون أيضاً ناراً!

استمرت رحلة البحث والتقصّي عن (نورقرابة الشهرين، ليستجمع بعدها مشاعره، أفكاره، أبحاثه في نهاية شهر مايو، ويبدأ في رحلة الإبحار الحقيقية سعياً لمعرفتها عن قرب!

كان يجلس قبالةَ المكتبة، عندما لمحها عند بوابة الجامعة وهي قادمة من بعيد تجاهه!، حاول استجماع ما تبقى له من شجاعة كان يرتبها منذ البارحة، والتي نسفتها (نوربمجرد ظهورها في الأُفق.
وقفتْ أمامه أو هكذا خُيّل إليه، فحضورها يطغى على ما سواها، لما يكن في المكان إلّاها هي، حتى هو تضاءل للحد الذي صار صوته فيها ضعيفاً جدّاً وهو يبادر بإلقاء سؤالٍ عابرٍ في الهواء بعد أن تقدّم تجاهها، تجاه المكتبة.
طالعته بزاوية عينها، لم تُعره اهتماماً مكملةً حديثها مع العم (عادلالمشرف على المكتبة الجامعيةقرر أن يستجمع بقايا شجاعته ليثير نقاشاً جدلياً مع العم (عادل)، فإذا كان اهتمامها مُنصبّاً عليه، إذن عليه أن يجذب انتباهه إليه!
التفتت إليه-أخيراًبعد أن عارضه العم (عادلفي فكرته، فتجرأ وسألها عن رأيها أهي في صفه أم في صف العم(عادل).
ومن هناك أمسكت الشرارة بطرف الحبل المؤدي للتهلكة!
بدأت النقاشات تطول أمام المكتبة مع العم(عادلوبدونه.

امتدت النقاشات إلى وصلت إلى خطوط الهاتف، كانت المكالمات بينهما تستمر لساعات وساعات، في مناقشة قضايا كثقب الأوزون، الأطفال اليتامى، التشريعات الدينية، قضايا الحركة النسوية، وصولاً لنقاشهما عن تعريف كلٍ منهما لماهية الحُب!

كانت الأحداث تسير كما خطط تماماً، إلّا أنه اغفل جانباً واحداًفلـ(نورمَلكة عظيمة على اشعارك بأنك الكل واللا أحد فينفس الوقت!
فما كان يدري مكانه بالتحديد في حياتها، وهذا الجهل كان مؤرقاً له قاضّاً لمضجعه بشكل مخيف وقتها.

أمّا الآن وبعد مرور أربعة أشهر منذ بدأت الأحداث تتسارع أدرك أن (نوراًكانت تحمل بيدها شعلةً صغيرةً جدّاً، تسللت هيو شعلتها الصغيرة إليه هو!
 حددت مكانته عندها، ترتيبه في قائمة أولوياتها!
هوت به من أعلى وأردته قتيلاً في حبه، ببساطة تشبه شربة الماء؛ هوى هكذا من علٍ وأصبح كـ"سيزيف"؛ يحاول دونما جدوى أن يحمل قلبه قرباناً ويصعد قمة الجبل ولكن سرعان ما يتدحرج هو وقلبه إلى القاع.

أحياناً كان كلّ حياتها، معها في أدق تفاصيلها، ويوماً آخر هو شخص عابر لا وجود له، وهكذا ظلّ يتقلّب، يهوي ويصعد دون نهاية.
كانت بكلمة قادرة على إشعال حياته، وبصدّها عنه تُحيله رماداً تذروه الرياح
ولكنه كان سعيداً!
ففي نهاية المطاف يبدو أنه شيءٌ مِن "على المرء أن يتخيل سيزيف سعيداً"..

وها هو الآن يقف مُدركاً أنّ التوهج الشديد لـ(نوروالذي بدأ من شعلتها تلك، تحوّل لنارٍ عظيمة ألمّت بمخزنه المليء بالبارود،وأشعلت قلبه!

عندما قاطعته أثناء نقاش محتدم قائلة بهدوء: "أحبّك يا سمير"…



١/ مايو ٢٠٢٦


تعليقات

المشاركات الشائعة من هذه المدونة

آخر عيد ميلاد على الأرض

قُبلة متجمّدة..