مساء الخير..
يجلسان على أريكة منزلهما المريحة، صوت أحفادهما وزقزقة العصافير في الخلفية تُكمل رسم اللوحة الكاملة أصلاً، بين يديهما ألبوم صور يضم صورهما خلال مسيرة اكملت في هذا اليوم عامها الخمسين، يصدح عبدالمجيد عبدالله أغنيةً تكاد تُقسم كأنما كُتبت لتسرد تفاصيل حُبهما!
"لو ما شفتك في ذيك الليلة صدفة!"🎶
كانت تجلس في المقعد المقابل لمقعده، تحمل بين يديها ديوان شعرٍ لشاعر غير الذي يحضران تدشين ديوانه، كان أمراً غريباً جدّاً، فمَن سيفوّت حدثاً مُهماً كتوقيع ديوان شعري مِن قِبل الكاتب وهو أصلاً جالسٌ في حفل التدشين!
التقت أعينهما لوهلة، اصطدمت عيناها الدافئتان بعينيه المذهولتين، ابتسمت متفهمةً استغرابه، وعاودت الغرق في ديوانها العجيب.
بعد نهاية الحفل وبداية فقرة التوقيع، كان الجميع قد أخذ دوره في الصف ليحظى بنسخته الموقّعة... إلّا هي!
حاول أن يُقاوم فُضُوله ويتفادى سؤالها، ولكنه يملك عقلاً لا يكُفُّ عن الإلحاح... جلس في الكرسي الملاصق لكُرسيها بعد أن قام صاحبه ليأخذ دوره في الصف، بدأ كلامه بـ:
"مساء الخير!"🎶
أكمل يكسر الصمت بعد أن التفت له :"تذكرينني بإحداهنَّ، هل أنتِ (بلقيس)؟"، أجابته وإبتسامةٌ كبيرة على مُحياها قائلةً: "لا، اسمي (شمس)، ولكن يبدو أنّ بلقيس تُشّع كثيراً، نظرك لم يُرفع عنّي منذُ جلست! وأنتَ ما اسمك؟"
احمّر خجلاً ولم يحاول حتى أن ينفي التُهمة التي وجههتها له (شمس) للتو، أخبرها أنّ اسمه (بدر)!
سألها عن ديوان الشعر الذي بين يديها، ولماذا لم تكن تقِفُ بين جموع الناس في الصف تنتظر دورها للتوقيع، أخبرته بأنها جاءت لهذاالتدشين فقط لأنّ شاعرها المُفضّل- كاتب القصائد التي بين يديها- سيأتي لهذه الأُمسية وهي تُريد منه أن يوقّع نُسختها!
ثُمّ بحنكة (نادال) بطل العالم في التنس، أعادت السؤال إليه، بعد أن طالعت حولها لترى أنهما الوحيدان الباقيان على مقعديهما دون الناس،فأجابها بأنه لا يعلم حتى اسم الشاعر، جاء فقط لأنّ صديقه المولع بالشعر النبطي وعده بعشاءٍ بعد انتهاء الأمسية.
ضحكت (شمس) حينها على سببه، وابتسم هو نتيجة ضيائها الفاتن.!
"لو ما صدّوا جميع..شدّهم ذاك الربيع!"🎶
وهكذا استمرّ حديثهما، لساعات حتى بعد انتهاء الأُمسية، كان حديثهما مسترسلاً غير مقطوع، كانا كعصفورين يُغردان خارج السرب، إلّاأنهما يفهمان تغريد بعضهما البعض! كانا:
"كل ما يخلص حكي جبنا حكي غيره وبدينا!"🎶
يذكران اليوم، وبعد خمسين عاماً من ذلك اليوم، تلك التفاصيل كأنها البارحة، يذكر أنها أخبرته عن حُبها للطيور، وعن تبحّرها في أسمائهم وأشكالهم، وكيف أنها تُريد أن يمتليء منزلها في المستقبل بتغريد الطيور وضحكات الأطفال، كانت (شمس) مُشرقةً جدّاً تُحب الحياة وتُحببّك فيها، أما (بدر) فكان كاسمه، مستدير الوجه، كامل الحُسن، إلّا أنه كان يُفضّل الليل على الصباح، يغرق في أفكاره السوداء ليل نهار، إلى أن أضاءت حياته وليله تلك الـ(شمس)!
كانت قواسمها المشتركة كثيرة، كما كانت أيضاً نقاط الفصل والإختلاف كثيرة، إلّا أن تفضيلاتهما المختلفة في الحياة أضافت لها رونقاً بديعاً للغاية، أما ما يتشاركانه من مباديء في التربية، الفِكر، النظرة لرأي الناس، التفرّد والتمرّد فكانت هي ما يجمع شملهما كلما أوشكت عاصفةٌ هوجاء أن تَدُّكّ قصور حبهما!
كعادتهما منذ خمسين عاماً، يُقيمان حفلاً لتجديد حُبهما الذي لا يبلى، يدعوان كُل مَن يُحبونهم، تُعدّ (شمس) كعكةً جميلة كجمالها، ويعزف
(بدر) على العود في ثُنائية تَكاد تُقسم أنّ الله أوجدهما معاً فقط ليصنعا هذه التوليفة الرائعة!
يلتف حولهما؛ أولادهما، أحفادهما، أصدقاؤهما المختلفون جدّاً في أغلب الأشياء و المتفقون جدّاً على حُب (شمس) و(بدر)!
يمتليء البيتُ ضحكاً وتغريد عصافير كما تمنت هي، ويمتليء البيت بها وبالضياء كما تمنى هو!
يُردّد الجميع دعواتٍ لهما بالصحة، بالحياة السعيدة، بالصُحبة الدائمة هُنا وفي الجنة، يبتسمان وسط هذه الدعوات الصادقة، تلتفّ يد (بدر) على خصر (شمس) التي تميل بدورها عليه، ليطبع على خدها قُبلةً صغيرة، ويهمس في أُذنها:
"لو ما شفتك في ذيك الليلة...كان لين الحين قلبي وسط صدري، ما هرب منّي وجاك.!"🎶
-آمِنة.
تعليقات
إرسال تعليق