هدوء..

لا أذكر آخر مرة هدأت فيها الأصوات الكثيرة داخل رأسي، لا أذكر  متى توقفت المحركات الهادرة داخله عن الحركة والضجيج، ولا أذكر  متى كانت المرة الأخيرة التي توقفت فيها أسناني عن الإحتكاك توتراً، قلقاً، ورعباً.


ما أذكره حقاً هو أنني عندما ألمحك من البعيد يزداد تبعثري، تزداد ضربات قلبي للحد الذي أظن عنده أنني سأُصاب بسكتة قلبية بينما أنا واقفةٌ ألمحك من البعيد وأراك تقترب وعلى وجهك إبتسامة تجعل الحياة أهدأ قليلاً.


تُسلّم من بعيد لأنك لا تُصافح النساء، وأنا أساساً لا تكفيني يدك فقط، كلما رأيتك وددتُ لو يصير حضنك بيتي، لذلك لا أسعى ليدك مهما بدت مُغرية، فصدرك أكثر إغراءً!

كلما رأيتك هتف قلبي باسمك قبل لساني، وأكاد أجزم أنك رأيت الحُب في عيوني قبل أن تُبادر بالسلام قائلاً: (أمون كيفك؟ مشتاقين والله،كويسة أنتِ؟)

نكمل حديثنا ونحن نعبر طُرقات المستشفى، أنت تبحث عن مريضك المختفي منذ صلاة المغرب، وأنا أتحجج بمساعدتك في البحث فقط لكي يطول الهدوء الذي يستوطن رأسي كلما كنتُ إلى جانبك!


أنت الوحيد الذي لا أضطر أمامه لأن أبدو بأحسن حُلّة، لا حاجة لي لزخرفة الكلام والإجابات، اعلم يقيناً أنني لو أجبت بـ(كويسة الحمدلله،واحشني، أنت كويسفلن تُفلتني دون تحقيق، لا أدري كيف لك أن تعلم أنني لا أقول الحقيقة، تتوقف عن المشي، تنظر في عيني كأنما تريدالتأكد من حدسك، وفجأةً تُقرر أنّ المريض المختفي ليس أولوية، وتقول: (ارح ارح الجَبَنة، أنا تعبت من التفتيش، وانتي في حاجة في بالك وبتكذبي).


فنمضي وأنا أعلم أنك بدأت تفعيل وضع الطواريء القصوى، وأنا لا أعلم حقاً كيف ومن أين ابدأ سرد مشاكلي الكثيرة، وأعلم ألّا مناص من الإعتراف بين يديك حتى تُفلتني

موقنةٌ أنك قانوني فقد طريقه فسلك مسار الطب، بارعٌ أنت في كليهما، وأفشل أنا أمامك في كليهما أيضاً.


نجلس عند "ست الشاي"، أنت تعلم أنني لا أشرب أي كافيين ولكنك تُصر، فأرضخ لك ولإلحاحك المزعج، تنظر في عيني بعينيك المتلألئتين في جُنح الليل، وأشعر كأنما تنظر في روحي لا لعيني، يهدأ كل المكان، تختفي كل الأصوات، الضجيج، هدير المحركات، تتوقف أسناني عن الإحتكاك، وتتوقف رجلي عن الإهتزاز!

كعادتك تهدئني حتى دون أن تتكلم، وابدأ أنا في السرد، وأنت تستمع وتحلل وتحل معضلات حياتي.


تنهض فجأةً، تُنادي شخصاً ما، تنظر إلى تقول بأنه مريضك المفقود، تُسلّم عليه، تبتسم ناحيتي، وتستأذن بأن نعود مع المريض إلى داخل المستشفى.

نهمّ بالنهوض من أماكننا، تغادر أجسادنا المكان وتحتفظ أنت بقلبي ضمن ممتلكاتك التي لا يشاركك فيها أحدهم!

نغادرُ؛ أنت متجهٌ لقسم الجراحة في الطابق الثالث، وأنا لقسم الأطفال في الثاني، توصلني لوجهتي وتهمس على عُجالة كي لا تفقد المريض مُجدداً: "انتبهي لنفسك، الدنيا ما مستاهلة زعلك يا ستي، وخلي بالك من الشفع ديل ما يساهروا بيك"، تضحك ضحكةً تُضيء العنبر شحيح الإنارة، وقبل أن تركض مجدداً تعاود الرجوع لأذني مرةً أخرى هامساً: "بحبك والله يا أمون"!


تُغادر للجراحة تعلو وجهك إبتسامتك الرائعة، أنا متخشبةٌ في مكاني أُتمتم: "وأنا كمان، أنا كمان بحبك".


تختفي عن مجال رؤيتي، بينما تعاود الأصوات بهدوء ظهورها في الخلفية.


#إليك🌻

-آمِنة.

تعليقات

المشاركات الشائعة من هذه المدونة

آخر عيد ميلاد على الأرض

مخزن بارود، و شُعلة..

قُبلة متجمّدة..