زبَد البحر..
لشدّة تعلقه بالبحر ومياهه المالحة، قرر (خالد) أن يشتري بيتاً مُطلّاً على البحر.
عندما سألته زوجته (سلمى) عن سبب إصراره على أن يكون منزلهما يحمل إطلالة واسعة على البحر، أجابها بأنه قضى معظم حياته في بيئةٍ صحراويةٍ حارة، قاحلة، لا أثر فيها للماء ، للنوارس، للرطوبة، ولا حتى لصدًى قادم من بعيد يحمل بين طياته صوت الأمواج!
أمضى حياته في قلب الجزيرة العربية، منطقة أقرب ما تكون لسطح عطارد، تكاد تجزم أن الشمس ما فتئت تحاول الاقتراب من الأرض منذ شروقها وحتى الغروب، وحتى بعد مغيبها ترحل تاركةً بقايا حرارتها على الأرض، لكي لا ينساها أحد حتى موعد عودتها غداً فجراً!
فتح (خالد) نافذة الغرفة، التي صارت فيما بعد مكتبه المنزلي، أخذ نفساً عميقاً حاول به أن يُرطّب رئيته وحنجرته في بداية اليوم، يتردد في خلفية عقله صوت أمه بعيداً دون صدى، يتذكرها وهي تخبره عن حكايا سندباد في البحار، تخبره عن ملوحة البحر وغدره، عن صوت النوارس الذي لا ينقطع أبداً عن مسامع الناس، وتخبره عن أهلها في الجانب الآخر من العالم العربي، وكأنها كانت تهيئه لرؤيتهم بعد مغادرتها!
اخرج سيجارةً وهمّ باشعال طرفها، بينما يتذكر أنه كان يسمع شجار والديه ليلاً كل يوم دون انقطاع، تذكّر أيضاً يوم استيقظ على صوت بكاء والدته وهي تحزم حقائبها ذات صباح، وعندما تجرأ على سؤالها أجابته بأنها ستغادر لزيارة أهلها لأنها اشتاقتهم، و بأنها ستعود! لكنها لم تعد!
أخبرته أيضاً بأنها ستعبر البحر الأزرق الواسع، المليء بالخفايا والأسرار، و بأنها ستعود لتقُصَّ عليه حكايا سندباد بعيونها هذه المرة. ولكنها لم تعد!
لا يعلم (خالد) حقيقةً كيف وصل إلى طرف البحر، وكيف وصل البحر إلى ركبتيه!
ولكنه يعلم أنه استيقظ من ذكرياته على صوت صراخ (سلمى) وبكائها الهستيري وهي تحاول شدّه وإعادته إلى الشاطيء.
ما يذكره وسيذكره بعدها، هو خوف (سلمى) المتكرر من البحر، ونوبات الهلع المُبرّرة التي أصبحت تنتابها كلما استيقظت ولم تجده بجانبها.
وسيذكر حتماً منظر زبد البحر الذي كان يقطعه بدون وعي منه، يبدو أن البحر قرر دون قصد -أو بقصدٍ ربما- أن يترك على روحه ورح(سلمى) ندبة، بدايةً من موجه الأزرق وحتى الزَبَد.
#آمِنة.
تعليقات
إرسال تعليق