عقلٌ في قُبّعة..
(سامي) موظف بنكٍ بدوامٍ كامل، ومهرجٌ صامت بنصف دوام!
يمقتُ البنك والموظفين الصامتين، والعملاء الثرثارين.
يكره حياته الصامتةَ أيضاً في دوامه الجزئي، يكره الضحك، النكات التي ينبغي عليه تمثيلها لأنه لا يتوجبُ عليه الكلام.
أمست حياته عبارةً عن كراهية عمياء، للحياة والصمت، يتمنى فقط لو يعيش يوماً واحداً يستمع فيه أحدهم لصوته، دون أن يُتوقّع منهاضحاكهم، أو إغراقهم بالنقود.
عاد بعد يومٍ مليء بصمته، ثرثرة العملاء، طنين آلات عدّ النقود، وضحكات فارغة، لشقته. ارتمى فوق أحضان وسادته لاعناً حياته ومللها، غرِق في أحزانه لفترةٍ ليست بالبسيطة، وغطَّ بعدها في نومٍ عميق، عميقٍ لدرجة ظنَّ أن ما حدث في اليوم التالي هو تتمة حلم لم يكتمل في مخيلته!.
نهض من على سريره، كانت تشير عقارب الساعة إلى السابعة، عقله مليءٌ بالضجيج والطنين، هذا الصباح اختلف صوت الطنين، صار واضح المعالم، كلماتٍ مفهومة، بيّنة، رصينة اللفظ والجملة. لم يُعرها أي اهتمام فربما هي تراكمات قراءات مراهقته البعيدة.
ما صدمه حقّاً كان أنه وعندما كان يقصد الحمام ليستعد ليومٍ روتينيٍ آخر في حياة موظف البنك، اصطدم بانعكاسه على المرآة، على رأسه قبعة أقرب ما تكون للشعر المستعار في مسرحيات شكسبير.!
توقف امام انعكاسه، حاول أن يتذكر إن كان قد ارتداها في حفل البارحة، ولكن لا أثر لذكرى كتلك!
حاول نزعها دون جدوى! بدأ في الضحك كعادته عندما يصبح قاب قوسين أو أدنى من الإنهيار العصبي!
ما قطع نوبة ضحكه الهستيرية كان صوت رنين هاتفه المحمول، مُظهراً رقماً، لا يذكره ورغم أنه بدا مألوفاً جدّاً، انتظر ثوانٍ ليسمع صوتاً آدمياً على الطرف الآخر.
جاء الصوت فخماً، رصيناً، مليئاً بكلمات تُشبه تلك التي سمعها عندما استيقظ. ردّ عليه (سامي) بتلقائيةٍ وهدوء لا تشبه أبداً ما يتصف بهالموشكون على نوبة انهيار بـ:(أهلين يا سعادتك، صباح الخير، أيوة على مواعيدنا الساعة ١١ إن شاء الله، اها حصل جديد في القضية إياها؟). لم يكن يعلم سامي حقاً عن أي قضيةٍ يتحدث ولكن كان جليّاً أن الطرف الآخر كان مدركاً تماماً لما يقوله (سامي) من خزعبلاتٌ تشبه ما كان يسمعه (سامي) عند مشاهدته لوثائقيات التحقيقات والتحريات!
أغلق هاتفه، وعاود النظر إلى انعكاسه المرتدي شعراً أشبه بقبعةٍ هذه المرة.
بدأ يراجع مع نفسه مرافعةَ "القضية إياها" قضية بدت شائكة، ولها ثغرات كثيرة تُضعف جانب مرافعته هو، إلّا أنه كان مفوّهاً، مليئاً بعباراتٍ رصينة، مدروسة التفاصيل والحبْكات، يعرف متى يقف، ومتى يواصل كلامه، متى يتنهد، ومتى يصدح بالصوت الجهوري الذي تعرّف عليه (سامي) للمرة الأولى أمام تلك المرآة!
بعد أن فرغ من التحضير لمرافعته، وقف متأملاً نفسه لأول مرة بعيونٍ ملؤها الفخر والحماس، يبدو أن هذا الشعر المستعار الذي يرتديه محامو بريطانيا يُضيف إلى الشخصية هيبةً ووقاراً يراها مرتديها قبل كل الناس.
كان على وشك الدخول في دوامة من الأسئلة حول كيفية وصول هذه القبعة لرأسه، ومِن أين أتت، وكيف غيّرته في غضون هذه الدقائق المعدودة؟ إلى أن قطع حبل أفكاره مجدداً رنين هاتفه، هذه المرة كان مُنبهاً اعتاد على ضبطه عند العاشرة صباحاً، ليذكره أثناء دوامه الممل في البنك أن قدحان وقت استراحة الإفطار؛ كي لا يغرق في العمل هرباً من نفسه كما اعتاد.
نظر إلى الساعة، تذكر كل هذا بشكل ضبابي، وما كان واضحاً له أيضاً أنه كان عليه أن يستعدّ لمرافعة الساعة الحادية عشرة.
عاود السير باتجاه الحمام، يردد مرافعته مجدداً، ماراً بانعكاسه في المرآة مرتدياً تلك القبعة الشبيهة بعقلٍ هذه المرة.
#آمِنة.
تعليقات
إرسال تعليق