أمل..

أخبره طبيبه النفسي أنه لكي يتعافى ويتجاوز صدمته القوية فيها، عليه أن يكتب إليها، أنّ يُعبّر عن خيبته وانكساره، عليه أن يطلق العنان لمشاعره، أن يخبرها بأنه أحبها كما لم يفعل مع أحد مِن قبل، أن يوضّح لها صدمته العظيمة فيها رغم كل هذه السنواتعليه أن يكتب ولكن دون أن يُرسل إليها أيّاً من كتاباته، وأن يُحرقها إن راودته نفسه يوماً ليرسل كتاباته تلك إليها!


عاد بعد جلسته تلك إلى شقته، جلس أمام ورقةٍ بيضاء يحاول أن يستخرج الكلام مِن جوفه دون فائدة!

حاولت الورقة البيضاء استفزاز روح الكاتب الغارقة بين جنباته إلّا أن محاولتها كلها باءت بالفشل!

نهض مِن أمامها، توجّه ناحية الشُرفة كانت الساعة تُشير إلى التاسعة مساءً، خرج إلى الشُرفة ليدخّن سيجارته المعتادة في مثل هذاالتوقيت، وما أن خرج حتى لثمه هواءُ يناير البارد، ملأ رئتيه بالهواء؛ علّ برودته تُطفىء النار المُتّقدةَ في جوفه، ولكنه لم يفعل، فأشعل السيجارة لتزداد النارُ حطباً.

كان قد أقلع عن التدخين لأجلها؛ لأنها كانت تمقت الدُّخان والمدخنين، كانت تخبره بأنّ الرئتين الوردية مُغريةٌ أكثر من كل مواصفات الرجل الخارجيةوهاهو الآن يعود لعادته القديمة بعد أن هجرته!


أخذ نفساً عميقاً جرّ خلفه جيشاً من الذكرياتتذّكر لقاءهما الأول، تذكّر الرعشة التي سرَت في جسده عند أول "أُحبكقالتها له، تذكّر حضنهما الأول، تذكّر قُلبتهما الأولى، وتذكّر خيبته الأولى..والأخيرة.

دلفَ إلى الداخل بعد أن بدأ جيش الذكريات هجومه الشديد، فقرر ردّ الهجوم بالكتابةفبدأ يكتب..


"عزيزتي (أمل).. أُحبك".

غصّ بالكلمات، إلّا أنّه واصل الكتابة!

 "أُحبّك جدّاً، واعلم أنّ الطريق أمامنا كان طويلاً جدّاً، إلّا أننا كُنّا قد قطعنا منتصفه، كنتِ تهابين المنتصف وكنتُ أنا أطمئنكِ مُعلِّلاً بأنّالمنتصف صديقي المقرّب منذ نعومة أظافريكنتِ تخافين مِن كل شيءٍ تقريباً، تخافين الليل لأنه مظلم وطويل، تخشين الصباح لأنه هاديءٌوبسيط، تتهيبين الصمت ويرعبك الحديث، وكنتُ أنا دائماً مصدر الطمأنينة في حياتك كما كنتِ ترددين دائماً على مسامعيولكنكِ لم تكوني على علمٍ بأنك مصدر الخوف الوحيد عندي، كنتِ نقطة ضعفي ومصدر قوتي في آنٍ واحد، كنتُ أخشى هجركِ لي وأخاف حُبّك اللامتناهي الذي كنتِ تُغرقينني فيهأنا الذي لطالما كنتُ أهرب من الناس والأصوات صرتُ منغمساً فيهم، وأنا الذي كان الحُب عندي كصنمٍ مِن أصنام قريش التي أكفر بها، صار الحب الآن عقيدتي الوحيدة التي أؤمن بها إيماناً غير قابلٍ للتزعزع."


رفع رأسه من الورقة بعد أن أعادته نقطةُ البلل في وسط الورقة إلى الواقع، مسح دموعه المنهمرة، تنهّد تنهيدةً عميقة، لَعن طبيبه النفسي علىهذه الطريقة في العلاج، كان كُلّ ما يريده، هو يكتب له أدويةً مهدئة وبعض الأقراص المنوِّمة، ولكن الطبيب رفض وقرر أن يتبّع العلاج بالكلام، وعندما أدرك أنه ما من جدوى مِن الكلام،  قرر أن أسلوب العلاج سيكون بالكتابة!


عاد إلى الورقة بعد أن جفّت، ليُكمل:

"لم أكن في حياتي واثقاً مِن شيء كما كُنت عندما قُلتُ لكِ يومها أنني "أُحبكِ، لم أكن أعلم عن الحب شيئاً سوى أنني أردتُ أن أُمضي ماتبقى لي مِن حياتي وأنا بين يديكِ، أردتُ أن أشيخ معكِ، أن نربّي أولادنا معاً، وأن نضحك على شغب أحفادنا معاً!، أخبرتني بعدها بأسبوعأنكِ تبادلينني ذات الشعور وذات الأحلام، قلتِ وقتها: (أُحبّك أيضاً وأعلمُ أنّ الطريق طويل، وأنّ الحُب فعلٌ مستحيل، ولكنني أُحبّك أيضاً يا(كريم)، وأعلم أيضاً أنني أريد أن أقضي ما تبقى من عمري وأنا ملكةُ مملكتك، وأعلم أنك ستكون حارسي الأمين.) 

كنتُ لكِ الحارس الأمين ولكنكِ أخلفتِ وعدك وهجرتني!

وأعلم أنني كنتُ مخطئاً وكنتُ السبب في الهجر، ولكنني أستحق فرصةً ثانية!

تمقتين استجداء العطف، وأعلم أنّكِ لا تعطين فُرصاً ثانية، ولكن أليس الحُب سبباً كافياً لتكسري هذه القاعدة؟"


نهض مِن مقعده، اتجه ناحية المطبخ، فتح الثلاجة، اصطدمت عيناه بعلبة (مثلجات الفانيلاالمُفضّلة عند(أمل)، ظلّ يكدسها عنده في الثلاجةحتى بعد افتراقهما، صارت هذه النكهة المفضلة لديه بعد أن كان يُفضّل طعم الفراولة، ولكنّ (أملغيّرت تفضيلاتٍ كثيرة في حياته.. غيّرتحياته كلها!

أخرج العلبة من الثلاجة وعاد بها لتقبع بجانب الورقة بينما هو يكتب...


عاود الكتابة: "أنا أدري أنّ شكّي كان في غير محله، وأدري أيضاً أنّ ردّ فعلي بعد أن علمت بوجود رجلٍ غيري في منزلكِ كان مُبالغاً فيه،أعلم أنكِ تستحقين منّي ثقةً أكبر في حُبّك لي حتى بعد أن وجدتكما تتبادلان القُبل أمام باب منزلك، أنتِ تستحقين حُبّاً غير مشروط وأنا كُنتُ أُقيّد حريتّك بطريقةٍ مزعجة، وها أنا الآن اعتذر عن كل ما بدر مني، فهل لي بفرصةٍ ثانية؟"


وضع القلم جانباً، تناول ملعقةً كبيرة من المثلجات جمّدت عقله، وقرر دون تفكير أنه سيرسل هذه الرسالة إلى (أملفي الصباح، على أمل أن يصله العفو مصحوباً بالفرصة الثانية.

في الصباح وضع الرسالة المكتوبة بخط يده داخل صندوق البريد، ضارباً بتوجيهات طبيبه -بأنّ عليه حرقهاعرض الحائط.


في مراجعته التالية للعيادة النفسية، سأله الطبيب إن كان قد كتب شيئاً لـ(أمل)، فأجابه بنعم، ابتسم الطبيب وطلب منه قراءة ما كتبه لها وأن يصف له شعوره تجاه الكتابة!

 أجابه (كريموابتسامةٌ هزيلة على وجهه: "بعثتُ إليها ما كتبته، جاءني الرد هذا الصباح بالعفو والفرصة الثانية، تؤلمني كرامتي جدّاً،ضميري يؤنبني على ما فعلتُه، الحقيقة أنني سعيدٌ رغم كل هذا التعب ومستعدٌ لتحمّل أعباء هذه الحياة طالما هي بجانبي، أعلم أننيمُخطيء، ولكن..."

غصّ بالكلمات تنهّد تنهيدةً طويلة انتهت ببكاءٍ صامت، ليكمل كلامه بعد فترة قائلاً بصوتٍ مُرهق

"ولكنني يا دكتور أظنُّ أنّ كُل الطُرق تؤدي إليها...إلى (أمل)".


#آمِنة.

تعليقات

إرسال تعليق

المشاركات الشائعة من هذه المدونة

آخر عيد ميلاد على الأرض

مخزن بارود، و شُعلة..

قُبلة متجمّدة..