سَكِينة..
جارتنا في الحي تُدعى (سَكِينة)، وصدّقني عندما أخبرك أنّ هذه السكينة لا تملك أيّ نصيبٍ من اسمها.!
امرأةٌ في عقدها الرابع، قصيرة القامة، مُمتلئة الجسد، بعينين جاحظتين وأنف مُدبب تحشره دائماً في ما لا يعنيها.
عندما انتقلت لحيّنا منذ قرابة العام، كُنّا جميعنا نناديها (سُكَينة) إلّا أنها كانت تُصححنا دائماً بأنّ اسمها يُنطق (سَكينة)؛ لأنها ومنذ نعومة أظافرها كانت تُحب كيف يُنطق اسم (سَكِينة) في مسلسلها الشهير مع أختها (ريّا).
في هذا العام الذي جاورتنا فيها (سَكِينة) صرتُ أنا
وسماعةُ أذني والصداع أصدقاء، أصدقاء للدرجةِ التي تظنُّ فيها أننا نفس الروح باختلاف المسمى!
قصص (سَكِينة) وأبنائها الخمسة كثيرة، بعضها يجعلك تمسك بطنك من شدّة الضحك، وغالبها تودّ لو تهشّم رأسها هي وأولادها، ليُزجّ بك بين قضبان السجن وترتاح من ضجيجهم!
في إحدى قصصها الكثيرة المزعجة التي حدثت عندما كانت تحاول التعرّف على جارتها في الحي، بحُجّة أنها بعيدةٌ عن أهلها وأقاربها،ولسوء الحظ كنتُ أنا هذه الجارة المسكينة. وفي الحقيقة، كان لها مآرب أخرى من هذا التعارف.
طرقتْ باب منزلي في الثالثة عصراً في يوم ثلاثاء حارٍ كئيب، كعادة أيام الثلاثاء هنا.
كان طرقها مزعجاً للحدّ الذي يجعلك تتمنى لو كنتَ أصمّاً، أو لو خلقكَ الله بلا آذان!
نظرتُ إلى الساعةِ في جزع! وكعادتي القديمة السيئة بدأتُ أنسج سيناريوهات سيئة الطالع عن أن مكروهاً ما قد ألمّ بزوجي وابنتي الوحيدة -التي لم تولد بعد حتى- جرجرتُ نفسي من على سريرٍ كان يحتضنني وابنتي بعد دوامٍ شاق وطويل، عبرتُ الصالة وأنا ادعو أن يكون القادمُ خيراً...
إلّا أن القادم كان (سَكِينة)! تسحب ابنتها الصغرى من يدها، تسألني إن كان لديّ طفلٌ بعمرها لتدعها تلعب معه عندي ساعة زمن، حتى تنجز أشغالها اليومية.
بدأتْ تسردُ لي قصةَ حياتها بينما أنا واقفةٌ على الباب أودُّ لو ألكمها على وجهها، أُفتت أسنانها لتلعب بها ابنتها.. وابنتي.
أشرتُ إلى بطني المتكوّر أمامي ثمانية أشهر، في محاولةٍ بائسة لجعلها تتوقف عن الكلام، إلّا أنها لم تسكت، بل غيّرت مجرى كلامها ليصبح عن الحمل، والتغذية السليمة للحامل!
صحيح باب (سَكِينة) مخلّع!...اقصد باب النجّار.
اعتذرتُ منها قائلةً بأنني منهكةٌ من دوامي الطويل، لتبدأ أسطوانة الاستغراب من كوني اعمل وأنا في شهري الثامن، وحتى إن كان دوامي مكتبياً فهذا لا يعني أنني قادرةٌ على العمل، طبعاً (سَكِينة) تعرف الكثير مِن النساء الحوامل اللائي تعبِن في ولادتهن جرّاء العناد بمواصلة العمل!
كان التعب والغضب قد تملّكاني للحد الذي ظننتُ عنده أني قد أُفجّر أي شيءٍ في الدقيقة القادمة.. وقد فعلت!
انفجر كيس الماء الذي يحمي طفلتي من هُراء (سَكِينة) ليجعلها عرضةً للموت، ليس لأن نموها لم يكتمل، ولكن لأن (سَكِينة) ستكون ثاني وجهٍ تعرفه بعد وجهي إن كنت محظوظة بأن أكون الأولى أصلاً.
صمتت (سَكِينة) لوهلة تستوعب ما يحدث أمامها، بدأت -هي- بالصراخ.. تمنيتُ حقاً في تلك اللحظة لو أنني صمّاء أو أن الله خلقني بدون آذان.
بعد أن جفّ ماء صغيرتي، وبعد أن أهلكت حبالها الصوتية وطبلتيّ أُذني، قررت أخيراً أنّ عليها استدعاء أحد الجيران لتُولد فتاتي بدون تشوهاتٍ عقلية، حينها كُنتُ أدعو بكل جوارحي أن يُغشى علي، حتى لا أسمع صراخ هذه الـ (سَكينة).
الآن اكتب لكم و(سماء) ابنتي بخير، وأنا أيضاً بخير، ليس لأن (سَكِينة) أخرجت كل سكّان الحي بصراخها، وباتت تحكي في كلاجتماعات الحي بالقصة الأسطورية وكيف أنها أنقذتنا من موتٍ محقق، و أصبحت تكررها في كل المحافل كأنها بطلة قومية!
بل لأن (سَكِينة) الغير سَكِينة بالمرّة قد غادرت الحي لتتركه صامتاً، هادئاً، ومليئاً بالسكينة.!
#آمِنة.
تعليقات
إرسال تعليق