غابة الأرواح..
(وليد) فتًى في السابعة عشر من عمره، قصير القامة، بشعرٍ أسود كالليل، بعينين واسعتين وحاجبين مقترنين، دائماً ما كان الناس يشبهونه بالبومة؛ لصفاته الشكلية، بالإضافة لسمعه المرهف جدّاً؛ تلتقط أذناه أقل الذبذبات من أبعد المسافات.
في بداية عطلة الصيف قبل دخوله الجامعة، جاءه صديقه (وِسام) ليعرض عليه أن يرافقه هو وعائلته في رحلة التخييم التي يخططون لها منذ بداية العام، تردد (وليد) في الموافقة خاصةً وأنه يعلم أنّ والدته ستعترض على هذه الفكرة، فهي تخاف على وحيدها من نسمة الهواء، ولكن (وِسام) طمأنه بأنّ مُهمة اقناع والدته ستتكفل بها والدة (وِسام).
وهكذا بدأ الصديقان في التخطيط لكل الفعاليات التي يمكنهم القيام بها هناك مع العائلة وبين الأشجار!
(وِسام) صديق (وليد) منذ المدرسة الابتدائية، منذ أول يومٍ لهما في المدرسة جلسا على طاولةٍ واحدة تشاركاها بعد ذلك طيلة سنين دراستهما،والدتاهما تعرفان بعضهما حقّ المعرفة فهما يتقاسمان قلقهما الزائد على ابنيهما، وعلى الرغم مِن أن (وِسام) ليس الوحيد لدى أبويه إلّا أنّ والدته كانت تقلق عليه كثيراً لأنه أكثر أبنائها انعزالاً!
وهكذا تشارَك الصغيران كل شيء، ابتداءً مِن كرسي الدراسة، الضربات أثناء مباريات كرة القدم في الحي والمدرسة، ساندويتشات الفطور عندما تُحضّر والدة (وليد) له مربى الفراولة التي يكره طعمها، ويحبه (وِسام)، وصولاً لقلق والدتيهما.
كانت مهمة الإقناع سهلة وبسيطة، وافقت أم (وليد) بسرعة غير مسبوقة، بررتها بأنها تعلم أنّ ابنها في أيدٍ أمينة!
وهكذا بدأت الرحلة، وانطلقت السيارة تطوي الطريق طيّ الصحف، تحمل في بطنها (وليد)، (وِسام)، والدا (وِسام) وأشقاؤه الثلاثة (وائل،وسيم، ووافي).
كان الطريق طويلاً نسبياً، ولكنه كان مليئاً بالأغاني، اللعب، الضحك، ودقائق معدودة من النوم!
وصلوا إلى موقعهم بعد ساعتين بالضبط، بدأوا في تحضير المكان يسابقون الشمس قبل أن تغيب، خاصةً وأن خطوط الكهرباء لم تصل لهذاالمكان ولن تفعل؛ نسبةً لكثرة الأشجار وعشوائيتها التي تُعيق مسار الخطوط المستقيمة.
نصبوا خيامهم قبل الغروب بعشر دقائق، بعدها شرعوا في تحضير طعام العشاء الذي سيُطهى على نار المخيم، تحت إشراف القمروبالإستعانة بضوئه الساطع.
بعد العشاء تسامروا قليلاً تحت ضوء القمر، يشربون شايهم المعتاد، فعائلة (وِسام) مشهورة بالشاي، الشاي عندهم نبتة مقدسة، تشُكُ وأنت معهم انهم يعبدونها أو أنهم يمتلكون مصنعاً للشاي، يشربونه في جميع حالته وحالاتهم، صيفاً وشتاءً،صباحاً ومساءً.
بعد الشاي والضحك، دخلوا جميعهم إلى خيامهم الثلاث، اطفؤوا النار، واكتفوا بالقمر الذي بدأ يتوارى خلف سُحب الشتاء الكثيفة.
استيقظ (وليد) على صوت همس، حسِبَه للوهلة الأولى صوت أشقاء (وِسام) من الخيمة المجاورة، إلّا أنّ أصوات الهمس كانت كثيرة، أكثر مِنثلاثة أصوات، أربعة، أو حتى عشرة!
وهكذا، خرج (وليد) ليستكشف مصدر هذا الهمس ويُسكته، فمَن يهمس في جنح الليل في هذه الغابة!
خرج من الخيمة، كان القمر قد اختفى تماماً خلف السُحب تاركاً المكانَ غارقاً في العتمة! احتاجت عينا (وليد) دقيقتين كاملتين لتعتادا علىالظلمة!
اغلق الخيمة خلفه كيلا تدخل حشرة أو أفعى داخلها وبدأ يتحرك ناحية الهمس!
خطا خطوتين للأمام، اغلق عينيه في محاولة التركيز للعثور على مصدر الصوت، وفجأةً اقتربت الأصوات، تداخلت، أصبحت في كل مكان!
فتح عينيه، هاله المنظر!
كتم صرخته لكيلا يستيقظ أهل (وِسام)، كانت الأشجار قد تحوّلت لأشكالٍ بشرية، تتحرّك مع هبوب الرياح، تتمايل يميناً ويساراً، بدأ الهمس يتضح شيئاً فشيئاً، كانت كل شجرة-أو بمعنى أصح كل روح- تقول اسمها، يوم قُتلتْ والعام الذي قُتلت فيه، ومكان دفنها، كانت كل المعلومات تختلف تماماً، إلّا في شيءٍ واحد، جميعهم كانوا يرددون اسماً واحداً، جميعهم يتمتمون باسم (راجي).
كان مُتسمّراً في مكانه، حاول أن يلتفت ليُوقظ (وِسام) وأهله ليروا ما يراه، التفت؛ أطلق صرخةً كانت مكتومةً في جوفه، لم يجدهم، لقد اختفوا!
اختفى (وِسام)، (وائل، ووِسيم، ووافي)، اختفى الأبوان، لا أثر حتى لخيامهم، لا أثر لأي شيءٍ، لا شيء حول (وليد) سوى الأرواح المتجذّرةفي الأرض، والمتحركة بفعل الرياح، تنادي (راجياً)!
بدأ يصرخ باسمائهم، كان يركض في كل الاتجاهات بحثاً عنهم دون جدوى، وكلما توّغل إلى داخل الغابة كان المكان يُصبح أكثر دفئاً،والأيام التي ترددها الأرواح أقرب لتاريخ هذا اليوم، وجميعهم ينادون (راجي).
واصل الركض والصراخ إلى أن وصل إلى تاريخ هذه الليلة، وجد ستة أشجار متزعزعة، تتمايل مع الريح، إلّا أن جذورها لم تكن ضاربة فيالقاع، وكانت تردد اسماً مختلفاً هذه المرة، كانت تُردد اسمه هو..(وليد)!
تجلّى القمر من بين السحاب، كشف بضوءه مصدر التمتمات باسمه، شهق (وليد) شهقة كبيرة، صرخ بعدها باسماء آل (وِسام) كلهم، يحاول إخراجهم من الحالة "الشجرية" هذه دون جدوى، كانوا هم الستة أشجار التي تناديه!
وقف متسمّراً في مكانه، يحاول أن يستوعب الذي يراه أمامه!
أخرجته أصوات خطوات من شروده، وقبل أن يلتفت ليرى مَنْ وراء هذه الخطوات ويخبره بما يرى، كانت يدٌ عملاقة قد أطبقت على أنفه وفمه بمنديل مبلول، يشبه منديل السفاحتين (ريا وسكينة)، وحملقت عينان سوداوتان كبيرتان في روحه، تنفس (وليد) الهواء من خلال المنديل، تخدّرت حواسه، صمتت جميع الأرواح والأصوات مِن حوله.
استيقظ ليجد نفسه يتمايل مع الرياح يميناً ويساراً، يُردد اسمه، تاريخ موته، مكان دفنه...واسم (راجي).
#آمِنة.
تعليقات
إرسال تعليق