رسالة تهديد..

 رنّ جرس المنبه كعادته في الخامسة صباحاً، قاومتُ النوم، وحاولتُ نفض النعاس عن عيني دون جدوى تُذكر!فعدتُ للنوم.

 كان ذلك الصباح آخر صباح أنعم فيه بنوم متواصل، إن كنتُ سأُسمّي ما أفعله الآن نوماً من الأساس.

توقفت ذاكرتي عند ذلك الصباح، لا اذكر كيف كنتُ أعيش قبله، ولن اجرؤ على تشبيه ما أمارسه من هربٍ منذ ذلك اليوم بالحياة.!

أيقظني مجدداً رنين الجرس، ولكن هذه المرة كان جرس الباب، قمتُ أجرجرني وصولاً إلى الباب، كان إلحاحُ الطارق غريباً جدّاً، لا يصلني زوّارٌ كثُر، بحكم ساعات عملي الطويلة والمرهقة، فبالكاد يبقى لي ساعات خلال اليوم أقضيها في السوبرماركت كي لا أموت..جوعاً علىالأقل، فالوحدة تتكفل بجزء الموت الداخلي كل يوم، أما أنا فيليني جزء الحفاظ على طاقتي الجسدية لليوم التاليواليوم التالياليومهوالجمعةلا أخرج من البيت، ولا أستقبل زوّاراً!


إلحاح الطارق بدأ يقلقني، آه يا ليتني انتظرت القلق ولم أستعجله، ما أن فتحت الباب حتى رأيتُ القلق يقف برأسه الكبيرة وجسده النحيل ممسكاً بيد صديقه الضخم الخوف؛ كلاهما يقفان خلف طفل لم يتجاوز عمره العاشرة، يحمل مُغلفّاً بلون الدم، وجهه أصفر من أصفر ليمونةٍ رأيتها في حياتي، سلّمني الظرف وهرب، كأن ناراً أمسكت طرفه!


وقفتُ على عتبة الباب أراقب الطفل يجري أعوامه العشرة، كأن الجري طوق نجاته الوحيد، أظنه كان كذلك فعلاً!

أغلقتُ البابتبعني للداخل القلق والخوف، رحبّت بهما وحدتي ترحيباً حارّاً، أخيراً ستجد من تسامره، فقد ملّتني جدّاً، فأنا لم أعد مستمعةً جيدة ،كما كانت تقول شاكيةً لهما بعد أن قدّمتُ كؤوس الشاي.


جلستُ بمنأى عنهم، فتحت الظرف الأحمر بيدٍ ترتعش، وكأن الطفل صاحب العشر سنوات ترك سنواته عند الباب؛ فارتديتها أنا دون إدراك.

كان مكتوباً بخطٍ متشابك، بدأ كأن صاحب الخط فقد يده الرئيسة في الكتابة واستعاض بأختها(لن تذكري من حياتك القادمة والماضية شيء، ستكون الذكرى ملاذك والمستقبل أملك، وأنتِ منذ اليوم بلا ذكرى ولا مستقبل، حياتك القادمة سيملؤها القلق، الخوف، الوحدة والألم).

لم يخفني التهديد بالقلق، والخوف، الوحدة، فجميعهم يتسامرون في غرفة معيشتي يشربون الشاي، لا يخيفني الألم أيضاً، أنا صديقته المفضلة منذ طفولتي، هو فقط يحب لعب الغميضة، وأنا متعبةً أكثر من أن أبحث عنه منذ آخر مرةٍ اختبأ فيها.

ما أخافني حقاً وأقلق نومي وغيّر مسار حياتي، كان التهديد بمحو ذكرياتي، على أنها لم تكن في معظمها جميلة؛ ولكنني كنتُ أعيش فيالماضي منذ الماضي، إن مُحيّ ماضييّ فمن أنا؟ مَن أكون؟ وكيف أغدو؟

لن أعرفني ولن أتعرّف عليّ!


تصيب الناس أزمات منتصف العمر عندما لا يعرفون ماذا يفعلون بأيامهم القادمةأما أنا فلم أكن أهتم لا بالحاضر ولا بالمستقبل، انتظر نهايةَ يومي فقط لأعود لأطلالي أبكيها، احتضن نفسي التي في الماضي حضن الأم الرؤوم، أهدهدنا حتى نغفو.


ما عُدتُ أميزّني الآن حتى، مضى على تلك الرسالة ما يزيد عن شهر، غدوت شبحاً من المشاعر، فقد ذوى جسدي، تركت العمل، لازمت البيت، انقطعتُ أربعة أسابيع عن الحياة، أربعة أسابيع فقدتُ فيها الإحساس بكل الأشياء والأشخاص، وزاد تعلّقي بماضييّ، صار القلق صديقي المقرّب، بدأ الألم يغار منه فعاود الظهور مرةً ثانيةً من مخبئه، فاكتمل الرباعي مجدداًأو الخماسي.


يشير تقويم الجدار إلى أن اليوم الجمعة، لا أعلم أهي تلك الجمعة المشؤومة أم لا، ما أعلمه أن جرس الباب أعادني لوعيي، كبُر القلق فجأة، تضخّم الخوف، تعلّق الألم بقلبي، انزوت وحدتي إلى الحائط المقابل للباب.

تركتُ القلم جانباً، قمت أجرجرني وصولاً للباب أتحرّى طفلاً نسي سنواته العشر في ذات العتبة قبل شهر و ظرفاً أحمر آخر يُغيّر مسارحياتي.!


#آمِنة.

تعليقات

المشاركات الشائعة من هذه المدونة

آخر عيد ميلاد على الأرض

مخزن بارود، و شُعلة..

قُبلة متجمّدة..